الجمعة، مارس 23، 2012

باب التوبة مفتوح


باب التوبة مفتوح

يا من تكالبت عليه الذنوب والأوزار، والمعاصي والآثام، والكبائر والموبقات والمهلكات باب التوبة مفتوح يناديك:
كـفى يا نفسُ ما كانـا         كفاك هوى وعصيانا
كـــفاك ففي الحشا صوتٌ      من الإشـفاق نادانا
كأنـي ما سـمعت ولا         رأيت الهـدى إذ بانا
كأنـي صخرة فمتـى          يلين الصـخر إيمانا
أيا نـفسي خبا نفَسـي        بضيق الصدر أحزانا
أصيح بتـوبتـي ندما          كفى يا نفس ما كانا
يناديك رب العزة ويقول: [قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)] الزمر.


يناديك المصطفى r ويقول: [إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها] (رواه مسلم: 2760)
يا من أسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي والآثام.. وأدام معصية الملك الحي الذي لا ينام، وتجاوز الحد في الطغيان، وتعدى على الحقوق بالليل والناس نيام، ولم يترك ذنبا صغيرا أو كبيرا إلا اقترفه جاهلا عظمة المنان، والآن جاء نادما يرجو رحمه الرحيم الرحمن، ويطلب العفو والسماح من الله تعالى ذو القوة والقدرة والانتقام..
أتظن باب التوبة يغلق عنك؟!!!
قتلت، شربت الخمر، زنيت.. باب التوبة مفتوح.
تركت الصيام والصلاة والزكاة.. باب التوبة مفتوح.
تعاملت بالربا والسحر، وأكلت أموال الناس بالباطل.. باب التوبة مفتوح.
عن ابن عباس؛ " أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا. وزنوا فأكثروا ثم أتوا محمدا r. فقالوا:  إن الذي تقول وتدعو لحسن. ولو تخبرنا أن لما عملنا كفارة! فنزل: قوله تعالى: [وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)] (الفرقان/ آية 68 ) ونزل: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ } (39/الزمر/ آية 53)193-البخاري/3855،)
قال r: [لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن. ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن. ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن. والتوبة معروضة بعد].(مسلم/104،البخاري/6810)
فالله تعالى يقبل التوبة من أي إنسان، كافر أو مسلم، مؤمن أو منافق، فاجر أو عاصي أو مجرم أو فاسق، صغيرا أو كبيرا..
قال تعالى: [وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110)] النساء.
قال r: [يتوب الله على من تاب] (السلسلة الصحيحة للألباني:2910)
وروي في الحديث الصحيح:[أن رجلا قال يا رسول الله أحدنا يذنب الذنب. قال: يكتب عليه، قال: ثم يستغفر ويتوب، قال يغفر له ويتاب عليه، قال: ثم يعود فيذنب قال يكتب عليه، قال: ثم يستغفر ويتوب، قال: يغفر له ويتاب عليه. ولا يمل الله حتى تملوا ] رواه ابن حجر العسقلاني وقال حسن صحيح وله شاهد في الصحيحين
وقال r، فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى: [يا عبادي ! إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا . فاستغفروني أغفر لكم ] صحيح مسلم: 2577
وقال عليه السلام: [ والذي نفسي بيده - أو قال : والذي نفس محمد بيده  لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء و الأرض ، ثم استغفرتم الله عز و جل ، لغفر لكم] السلسلة الصحيحة للألباني:1951
**
فمهما كانت ذنوبك صغيرة أو كبيرة فباب التوبة مفتوح... ولن يغلق ذاك الباب حتى تطلع الشمس من مغربها، وعند غرغرة الروح أثناء الموت.
قال تعالى: [وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)] هود.
والتوبة: هي ترك الذنوب، والعزم على عدم العودة، مع الندم على ما فعل وارتكب في حق الله تعالى، وتلك هي شروط التوبة في حق الله تعالى التي لابد منها، كما أن التوبة ليست محصورة على الكبائر فقط ؛ بل من جميع الذنوب الصغيرة والكبيرة. كذلك هي عامة لجميع المؤمنين. قال تعالى: [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)] النور.
*
والتوبة في الإسلام أمرها عظيم، فهي نعمة جليلة أنعم الله بها على عباده، إذ منحهم فرصة لمراجعة الحساب، وتدارك ما فات، والأوبة إلى ما فيه نجاتهم من المهلكات،  كذلك التوبة في الإسلام ميسرة لكل أحد وفي أي وقت بعكس ما في الديانات الأخرى من وجوب الاعتراف لشخص معين وفضح نفسه ليتوب عليه!! أما في الإسلام فهي بين العبد وربه وحده.
فالتوبة تكون لله الواحد، قال تعالى: [إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ .. (17)] النساء.
وهو وحده القادر على العفو والغفران، قال تعالى: [وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ... (135)] آل عمران.
ويقبل التائب مهما كان.. قال تعالى: [وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ..(25)] الشورى.
*
التوبة: تمحو وتهدم ما قبلها.
قال r: [أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟] (صحيح مسلم/192)
و تبدل جميع السيئات إلى حسنات.
قال تعالى: [إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)] سورة الفرقان.
و تجزي بخير الماضي والحاضر.
عن عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال يا رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صلة وعتاقة وصدقة هل كان لي فيها من أجر قال حكيم قال رسول الله r: [أسلمت على ما سلف من خير] (البخاري:2 /5646)
و تغفر الذنوب، وترفع الدرجات.
عن ابن عباس، عن رسول الله r، فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى؛ قال: [إن الله كتب الحسنات والسيئات. ثم بين ذلك. فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة. وإن هم بها فعملها كتبها الله عز وجل عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة. وإن هم بها فعملها، كتبها الله سيئة واحدة]. (البخاري/6491،مسلم:/207)
تحفظ النفس، وتدفع عنها العذاب و تزيل الهموم والمصائب والأزمات.
قال تعالى: [إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ (114)] هود.
تريح القلب ، وتطمئن النفس.
قال r: [الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ](حسنه الألباني في: صحيح الجامع/6803)
التوبة: حياة السعداء.
قال تعالى: [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)] البقرة.
قال r، لتائب: [أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك](صحيح البخاري: 4418، صحيح مسلم:2769)
**
والملائكة تدعوا لتائبين، قال تعالى: [الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)] سورة غافر
_____________________________________
فالحرص الحرص على اغتنام الأوقات بالأعمال الصالحة والتوبة النصوح ، وإياك وطول الأمل والتسويف .. واحذر من الذنوب والمعاصي ومن تضييع الأوقات فهي سبب الهلاك؛ قال r: [إياكم ومحقرات الذنوب فإن مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء هذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم وإن محقرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تهلكه] صحيح الجامع: (1/ 2686 )
قال الشاعر: لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق